Publié le 08-07-2026
عمّال المنصّات في تونس: شكونهم؟ وشنوّا معاناتهم؟
تطرح وضعية عمال المنصات الرقمية في تونس ملفاً اجتماعياً حارقاً، باعتبار هذا القطاع أصبح يمثل "اقتصاداً موازياً داخل الاقتصاد الموازي"، وفق ما أكده الخبير في الضمان الاجتماعي الهادي دحمان في تصريح لـ"أونيفار نيوز".

وأوضح دحمان أن الهدف من فتح هذا الملف هو تسليط الضوء على واقع فئة تضم تقديراتها حوالي مليونين و500 ألف عامل ضمن الاقتصاد الموازي، مشيراً إلى أن الدراسة التي أُنجزت حول عمال المنصات وشملت 121 عاملاً كشفت عن معطيات مقلقة حول ظروف العمل وغياب الحماية الاجتماعية.
4 أصناف رئيسية لعمال المنصات في تونس
وأفرزت الدراسة وجود أربعة أصناف رئيسية من عمال المنصات الرقمية في تونس، تتمثل في:
- عمال وعاملات توصيل الطلبات، سواء المتعلقة بالمأكولات أو السلع.
- مساعدو الحياة (Auxiliaires de vie) الذين يقدمون خدمات اجتماعية وصحية أولية داخل المنازل لفائدة الأشخاص ذوي الإعاقة أو المصابين بأمراض مزمنة.
- موصلو الركاب عبر الدراجات النارية (الموتو تاكسي)، وهي ظاهرة تشهد انتشاراً متزايداً خاصة في العاصمة.
- موصلو البضائع الخاصة، على غرار الأدوية، سواء من تجار الجملة إلى الصيدليات أو مباشرة إلى الحرفاء.
98% من العمال دون ضمان اجتماعي
وكشف الهادي دحمان أن نتائج الدراسة كانت "خطيرة"، حيث تبيّن أن 98% من المستجوبين لا يتمتعون بأي ضمان اجتماعي، باستثناء حالات نادرة جداً لبعض العمال الذين يملكون عقود تربص للإدماج في الحياة المهنية (CIVP).
وأكد أن الإشكال الأساسي يتمثل في غياب عقود شغل فعلية بين المنصات والعمال، إذ يتم الانتداب بطريقة افتراضية عبر منح العامل كلمة عبور (Mot de passe) للعمل، دون أي وثيقة قانونية تثبت العلاقة المهنية أو تضمن حقوقه.
وأشار إلى أن الاعتقاد بأن العمل عبر المنصات هو نشاط مؤقت لفترة قصيرة غير صحيح، إذ كشفت الدراسة أن أقدمية بعض العمال تصل إلى 15 و16 سنة، ما يجعل هذا النشاط يتحول من عمل ظرفي أو إضافي إلى مصدر دخل رئيسي ودائم.
"نفق يصعب الخروج منه"
ووصف الخبير في الضمان الاجتماعي هذا القطاع بأنه "نفق" يصعب الخروج منه، موضحاً أن العديد من العمال يضطرون إلى شراء وسائل النقل، خاصة الدراجات النارية، عبر قروض صغرى (Microcrédits)، وهو ما يجعلهم مرتبطين بهذا النشاط لسنوات طويلة من أجل تسديد الديون.
وأضاف أن عدم استقرار الدخل وغياب الوضعية القانونية الواضحة أثرا على الحياة الاجتماعية لهؤلاء العمال، حيث حدّ ذلك من قدرتهم على بناء أسر، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة العزوبية في صفوفهم.
قطاع ذكوري ومخاطر يومية
وبيّن دحمان أن عمال المنصات يمثلون قطاعاً ذكورياً بامتياز، حيث يمثل الرجال حوالي 98% من العمال، فيما تتراوح الفئة العمرية الأكبر بنسبة 70% بين 25 و45 سنة، مع وجود بعض المتقاعدين الذين يصل سنهم إلى 65 سنة.
وتشير التقديرات إلى أن عدد هؤلاء العمال تجاوز 50 ألف عامل، وهم لا يتواجدون فقط في المناطق الحضرية، بل أيضاً في المناطق الريفية والجبلية النائية، نظراً للمرونة التي يوفرها هذا العمل وغياب التوقيت الإجباري.
78% يخفون حوادث المرور
ومن بين أبرز المخاطر التي تواجه هذه الفئة، غياب التأمين على وسائل النقل، إذ أكد دحمان أن العديد من العمال لا يملكون تأميناً على دراجاتهم النارية، إما لأنها غير نظامية ومقتناة من السوق الموازية، أو بسبب رفض شركات التأمين تغطيتهم نتيجة كثرة حوادث السير.
وكشف أن 78% من العمال يتخفون ولا يعلنون عن حوادث المرور، كما لا يمكنهم التبليغ عن حوادث الشغل لعدم انضوائهم تحت مظلة الضمان الاجتماعي.
وأضاف أن هؤلاء العمال يعانون من أمراض مهنية خاصة، من بينها الأمراض الصدرية والروماتيزم الناتجة عن السياقة لفترات طويلة، إضافة إلى الأمراض النفسية والعصبية بسبب ضغط العمل (Stress).
غياب الحماية النقابية وخطر استغلال العمال
كما أشار دحمان إلى غياب أي حماية فعلية تمكن العمال من المطالبة بحقوقهم، إذ تملك المنصات سلطة واسعة تمكنها من إلغاء كلمة العبور وإيقاف العامل في أي لحظة، دون وجود مجالس تأديب أو نقابات تمثلهم.
وتطرق كذلك إلى إشكالية حماية المعطيات الشخصية، مؤكداً أن هذه المنصات الأجنبية تمتلك خزانات ضخمة من بيانات الحرفاء، تشمل الأسماء والأرقام والعناوين وطبيعة المشتريات، وهي معطيات يمكن أن تكشف جوانب من حياتهم الاجتماعية.
كما حذر من حالات يتم فيها استغلال بعض العمال، دون علمهم، لنقل مواد ممنوعة أو محظورة تحت غطاء الأدوية أو الطرود المغلقة، مما قد يعرضهم إلى تتبعات قضائية.
اتفاقية دولية لحماية عمال المنصات
وفي المقابل، أكد الهادي دحمان أن التحركات التي قام بها تحت مظلة الاتحاد العام التونسي للشغل أثمرت نتائج على المستوى الدولي، حيث صادقت منظمة العمل الدولية خلال دورتها الأخيرة في شهر جوان على اتفاقية دولية لحماية حقوق عمال المنصات.
وأوضح أن تونس، ممثلة في الدولة والاتحاد العام التونسي للشغل، صادقت على هذه الاتفاقية، مع تحفظ منظمة الأعراف، معرباً عن أمله في أن تكون هذه الخطوة بداية لتنظيم وضعية هذه الفئة قانونياً ومهنياً وتوفير الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لها.
يُذكر أن هذه الدراسة حول عمال المنصات الرقمية أُنجزت بدعم من "مركز تضامن العمال"، وهي مؤسسة دولية، إضافة إلى قسم الدراسات في الاتحاد العام التونسي للشغل.
