2026-08-03 نشرت في
العطش يهدد شريان أوروبا.. ماذا يحدث في القارة العجوز؟
لم يعد نهر الدانوب مجرد مجرى مائي يعبر قلب أوروبا، بل تحول هذا الصيف إلى مؤشر على واحدة من أخطر الأزمات المناخية التي تواجهها القارة.

فالانخفاض التاريخي في منسوب مياهه، نتيجة موجات الحر والجفاف غير المسبوقة، بدأ ينعكس على قطاعات الطاقة والنقل والزراعة، وصولاً إلى الأمن المائي، في تطورات تنذر بتداعيات اقتصادية وبيئية واسعة.
ثاني أطول نهر في أوروبا
ويعد الدانوب ثاني أطول أنهار أوروبا بعد الفولغا، إذ يمتد لنحو ثلاثة آلاف كيلومتر، من الغابة السوداء في ألمانيا حتى البحر الأسود، عابراً عشر دول أوروبية، ما يجعله شرياناً رئيسياً للتجارة والطاقة والملاحة الداخلية.
وخلال صيف 2026، سجل النهر مستويات انخفاض غير مسبوقة في عدة دول بحسب عدة تقارير لـ"أسوشيتد برس".
ففي العاصمة المجرية بودابست، تراجع منسوب المياه إلى 31 سنتيمتراً فقط، وهو أدنى مستوى يسجل على الإطلاق، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل عام 2018.
وفي منطقة فاخاو النمساوية، انخفض المنسوب إلى نحو 110 سنتيمترات، بينما ارتفعت حرارة المياه الضحلة إلى ما بين 28 و30 درجة مئوية، في حين تراجع تدفق المياه عند دخول النهر إلى رومانيا إلى نحو ثلث معدله الطبيعي لشهر جويلية، نقلا عن "إرم نيوز".
أزمة الطاقة
أزمة الطاقة كانت من أبرز تداعيات هذا الجفاف، إذ تعتمد محطات الطاقة النووية والكهرومائية في وسط أوروبا على مياه الدانوب لتبريد المفاعلات وتوليد الكهرباء.
وفي المجر، اضطرت محطة "باكس" النووية، التي تؤمن نحو نصف احتياجات البلاد من الكهرباء، إلى خفض إنتاجها وإيقاف تشغيل مفاعلاتها للمرة الأولى منذ 44 عاماً بسبب نقص مياه التبريد.
كما أوقفت رومانيا تشغيل وحدتي محطة "تشيرنافودا" النووية للسبب ذاته، بينما انخفض إنتاج الطاقة الكهرومائية في النمسا بنحو 30% مقارنة بمتوسطه طويل الأجل.
ولم تتوقف التداعيات عند قطاع الطاقة، إذ تعرضت حركة الملاحة النهرية لاضطرابات واسعة بعد ظهور كثبان رملية وصخور في مجرى النهر، ما أعاق حركة السفن التجارية والسياحية وأجبر العديد منها على الإبحار بحمولات مخفضة لتجنب الجنوح.
وأدى ذلك إلى تعطل نقل الحبوب والفحم والمواد الخام عبر أحد أهم الممرات التجارية في أوروبا، مع تسجيل حالات تعطل لسفن وبضائع في عدة مناطق على طول النهر.
بيئياً، تسبب انخفاض مستوى المياه وارتفاع درجات حرارتها في تراجع مستويات الأكسجين داخل النهر، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، في وقت حذر فيه خبراء البيئة من تعرض التنوع البيولوجي في الدانوب لضغوط غير مسبوقة، مع تراجع فرص بقاء صغار الأسماك في ظل الظروف الحالية.
كما امتدت آثار الأزمة إلى قطاعي المياه والزراعة، حيث تراجعت احتياطيات المياه الجوفية المرتبطة بالنهر، ما دفع السلطات في بعض المناطق إلى فرض قيود على استهلاك مياه الشرب، بالتزامن مع تضرر مساحات زراعية واسعة تعتمد على الدانوب في الري.
تأثيرات التغير المناخي في أوروبا
وتسلط أزمة الدانوب الضوء على التأثيرات المتسارعة للتغير المناخي في أوروبا، إذ لم يعد الجفاف يهدد الموارد الطبيعية فحسب، بل بات يمس ركائز الاقتصاد والأمن الغذائي والطاقة.
ويحذر خبراء من أن استمرار موجات الحر خلال الأسابيع المقبلة قد يفاقم الأزمة، ويزيد الضغوط على شبكات الكهرباء وسلاسل الإمداد، في وقت تواجه فيه أوروبا تحدياً متزايداً للحفاظ على أمنها المائي والطاقوي في ظل تغيرات مناخية أصبحت أكثر حدة وتكراراً.
