2026-06-21 نشرت في
الشرطة الجبائية تفتح ملف ''الملح'' في تونس...شبهات تلاعب وتحويل أرباح للخارج
باشرت فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي (الشرطة الجبائية) منذ بداية سنة 2026 سلسلة تحقيقات واسعة في شبهات تتعلق بـالتلاعب بالأسعار والتهرب الجبائي داخل قطاع إنتاج وتصدير الملح في تونس، وسط تقديرات أولية تشير إلى إمكانية تسجيل خسائر بمئات الملايين من اليوروهات.

وتأتي هذه التحركات في إطار مراجعة أوسع لحوكمة الثروات الطبيعية الوطنية، وخاصة قطاعي الملح والبترول، وفق ما نقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء عن مصدر رفيع بوزارة المالية.
تحقيقات موسعة تشمل 14 شركة
أفاد المصدر ذاته أن عمليات الرقابة الميدانية والتحريات المالية شملت منذ بداية السنة الحالية 14 شركة مستغلة للملاحات، أغلبها ذات رأس مال أجنبي، بين شركات دخلت طور الإنتاج الفعلي وأخرى ما تزال في مراحل التحضير.
وتغطي هذه التحريات، وفق المعطيات نفسها، مواقع إنتاج موزعة على الشريط الساحلي في ولايات صفاقس، قابس، جرجيس، المنستير، المهدية وسوسة، عبر أكثر من 20 نقطة إنتاج وخزّان بيانات لوجستية ومالية.
شبهات تحويل أرباح وتسعير غير عادل
ووفق نفس المصدر، تُظهر المعطيات الأولية وجود نمط تصرف مالي “مشبوه”، يتمثل في قيام بعض الشركات ببيع الملح بأسعار منخفضة إلى شركات مرتبطة بها خارج تونس، قبل إعادة تسويقه عالمياً بأسعار مرتفعة جداً.
ويُشتبه في أن هذه الممارسات تؤدي إلى تحويل الأرباح خارج البلاد وإبقاء العائدات المسجلة في تونس في مستويات ضعيفة، بما يحرم الخزينة العامة من موارد جبائية مهمة.
فوارق كبيرة في أسعار الملح عالمياً
وأظهرت مقارنة بالأسواق العالمية أن أسعار الملح تختلف بشكل كبير حسب النوع والاستعمال، حيث يتراوح:
-ملح المائدة بين 0.60 و1.50 يورو للكيلوغرام
-الأملاح الصناعية بين 0.15 و0.40 يورو
-الأملاح البحرية الحرفية بين 7 و15 يورو
-“زهرة الملح” الفاخرة بين 30 و55 يورو أو أكثر
هذا التفاوت الكبير يعزز، وفق التحريات، فرضية وجود هوامش ربح غير مصرّح بها تُحوَّل خارج البلاد.
خسائر محتملة وعجز في الميزان التجاري
تقدّر المعطيات الأولية أن هذا النمط من المعاملات قد يسبب خسائر سنوية بمئات الملايين من اليوروهات، إضافة إلى تأثيرات مباشرة على العجز التجاري وميزان المدفوعات.
تطبيق المعايير الدولية
وأكد المصدر أن هذه العمليات تندرج ضمن تطبيق معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتعلقة بتسعير المعاملات بين الشركات المرتبطة، وهي آلية تهدف إلى منع التهرب الضريبي عبر تحويل الأرباح.
وأشار إلى أن تونس اعتمدت هذه المعايير ضمن تشريعاتها الجبائية، وأن عمليات الرقابة الحالية تعتمد على تدقيق الوثائق والبيانات المالية للعمليات التجارية خلال السنوات الماضية بهدف ضبط الأسعار الحقيقية.
الشرطة الجبائية ودورها
وتُعد فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي، أو ما يُعرف بـالشرطة الجبائية، سلكاً خاصاً تابعاً للإدارة العامة للأداءات، تم إحداثه سنة 2017 وبدأ نشاطه الفعلي سنة 2018.
وتتولى الفرقة مهام مكافحة التهرب الضريبي وجمع الأدلة في المخالفات الجبائية، سواء عبر تعهد قضائي أو من خلال مبادرة تلقائية بفتح التحقيقات.
قطاع استراتيجي بإنتاج ضخم
ويبلغ الإنتاج السنوي لتونس من الملح نحو 2 مليون طن، يُوجَّه جزء كبير منه للتصدير، مع سيطرة شركات أجنبية على الحصة الأكبر من هذا القطاع الاستراتيجي.
وتؤكد وزارة المالية أن هذه التحركات لا تهدف إلى التأثير على مناخ الاستثمار، بل إلى تعزيز الشفافية وحماية حقوق الدولة في ثرواتها الطبيعية.
وكانت الفرقة نفسها قد فتحت في أواخر سنة 2025 ملفاً مشابهاً يتعلق بقطاع الخمور، قدّرت فيه حجم التهرب الضريبي بحوالي 1800 مليون دينار.
