Publié le 24-08-2026
حمدي حشاد يحذّر: ''الحرارة المدارية'' بدأت تظهر في تونس...والليل ما عادش يبرد
لم تعد تونس تعيش خلال فترات الحر مجرد ارتفاع في درجات الحرارة، بل أصبحت بعض المناطق، خاصة الساحلية منها، تشهد أجواءً تقترب في خصائصها من الأجواء المدارية، من حيث اجتماع الحرارة المرتفعة مع الرطوبة الخانقة وغياب الانتعاش الليلي.

وأوضح المختص في الشأن المناخي حمدي حشاد أن مصطلح "الحرارة المدارية" لا يمثل تصنيفًا مناخيًا رسميًا لموجات الحر، لكنه يُستخدم لوصف وضعية تتجمع فيها عدة عوامل تجعل تأثير الحرارة على جسم الإنسان أقوى بكثير من الرقم المسجل في محطات الرصد.
متى تصبح الأجواء شبيهة بالمناخ المداري؟
يمكن ملاحظة هذا الطابع من خلال مجموعة من المؤشرات، أبرزها تسجيل درجات حرارة تتجاوز عادة 30 إلى 35 درجة، إلى جانب ارتفاع الرطوبة النسبية، خصوصًا في المناطق الساحلية.
كما تلعب نقطة الندى دورًا مهمًا في تحديد مدى الإحساس بالاختناق. فعندما تتجاوز نقطة الندى 20 درجة يصبح الهواء أكثر رطوبة، بينما تصبح الأجواء شديدة الخنقة عندما تتجاوز 24 درجة.
وأشار حشاد، في تدوينة له، إلى أن دراسة نقطة الندى كانت من بين المواضيع التي أثارت صعوبة لدى عدد من الطلبة في مادة فيزياء البيئة، في إشارة طريفة إلى امتحانات الجامعة التي كانت حساباتها سببًا في حصول الكثيرين على معدلات منخفضة.
الحرارة المحسوسة أهم من الرقم المسجل
في مثل هذه الظروف، يمكن أن تكون الحرارة المسجلة في منطقة ساحلية في حدود 34 أو 35 درجة، لكن ارتفاع الرطوبة يجعل الحرارة التي يشعر بها الجسم تتجاوز أحيانًا 42 درجة، وقد تصل إلى مستويات أعلى.
والسبب في ذلك أن الرطوبة المرتفعة تحدّ من قدرة الجسم على تبخير العرق والتخلص من الحرارة، ما يؤدي إلى الشعور بالتعب والإرهاق والاختناق حتى عندما لا تبدو درجة الحرارة المسجلة استثنائية.
وتزداد هذه الوضعية مع ضعف الرياح، التي لا تساعد بدورها على تبخير العرق وتبريد الجسم، لتصبح الحرارة المحسوسة مؤشرًا أكثر أهمية من الحرارة المقاسة عند تقييم ما يتحمله الإنسان فعليًا.
الليل لم يعد يوفر الانتعاش
ولا تنتهي المعاناة الحرارية بمجرد غروب الشمس. فبقاء درجات الحرارة مرتفعة خلال الليل يحرم الجسم والمباني وحتى شبكة الكهرباء من فرصة كافية للتخلص من الحرارة المتراكمة.
وتُسمى الليلة ليلة مدارية عندما لا تنخفض درجة الحرارة الدنيا عن 20 درجة خلال الليل. أما عندما تبقى الحرارة الدنيا فوق 25 درجة، فيمكن الحديث عن ليلة شديدة الحرارة أو ما يُعرف بـ"الليلة فوق المدارية".
ويؤكد حشاد أن الرطوبة ليست شرطًا أساسيًا في التسمية العلمية لـ"الليلة المدارية"، لكنها تجعل تأثيرها على الإنسان أكثر قسوة، خاصة عندما تتزامن الحرارة الليلية المرتفعة مع رطوبة عالية.
السواحل التونسية أمام مزيج حراري أثقل
وتعيش المناطق الداخلية من تونس عادة حرارة أعلى وأكثر جفافًا بحكم تأثير الكتل الهوائية الصحراوية، بينما تواجه المناطق الساحلية وضعية مختلفة، تقوم على اجتماع الهواء الساخن، والرطوبة المرتفعة، والبحر الدافئ والرياح الضعيفة في بعض الفترات.
ومع ارتفاع حرارة البحر، تزداد كمية بخار الماء في الجو، ما يساهم في رفع مستويات الرطوبة ويجعل الإحساس بالحرارة أكثر قسوة، خصوصًا خلال موجات الحر الطويلة.
الحرارة تتراكم داخل المنازل
ويصبح الوضع أكثر صعوبة عندما لا تنخفض درجات الحرارة ليلًا، إذ تتراكم الحرارة داخل الجدران والمباني ولا تحصل المنازل على فترة كافية للتبريد الطبيعي.
كما يؤدي ذلك إلى تشغيل أجهزة التكييف لفترات أطول، بما يرفع استهلاك الكهرباء ويزيد الضغط على الشبكة، في وقت تتزامن فيه درجات الحرارة المرتفعة مع ارتفاع الطلب على التبريد.
ويكون الإجهاد الحراري أكثر خطورة بالنسبة إلى كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، إضافة إلى العمال الذين يقضون فترات طويلة في الهواء الطلق.
تونس ليست بلدًا مداريًا.. لكن خصائص المدارية حاضرة
ويشدد حمدي حشاد على أن تونس لم تتحول إلى بلد مداري بالمعنى الجغرافي أو المناخي، لكن بعض خصائص الأجواء المدارية أصبحت تظهر بقوة خلال فترات الصيف، خصوصًا ارتفاع الرطوبة، واشتداد الحرارة المحسوسة، وارتفاع حرارة البحر، وتراجع الانتعاش الليلي.
وما كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره حالة استثنائية قد يتحول تدريجيًا إلى جزء من الواقع المناخي الجديد الذي تعيشه تونس، حيث لا تكمن المشكلة في ارتفاع درجات الحرارة فقط، بل في اجتماع الحرارة والرطوبة والليالي الحارة التي تجعل الجسم عاجزًا عن استعادة قدرته الطبيعية على التبريد.
