2026-07-13 نشرت في
الوقود يرتفع والنفط ينخفض.. اختلال غير مسبوق في أسواق الطاقة
تراجعت أسعار الخام عالميًا، لكن ذلك لم ينعكس على المشتقات النفطية التي لا تزال أسعارها مرتفعة عالميًا، وذلك على عكس ما جرت به العادة.

وعاد سعر خام برنت إلى ما دون 75 دولارًا للبرميل، متراجعًا إلى مستويات قريبة مما كان عليه قبل اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في إشارة إلى انحسار جزء كبير من علاوة المخاطر التي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع خلال الأشهر الماضية، حسب "إرم نيوز".
إلا أن هذا التراجع لم ينعكس بالوتيرة نفسها على أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات، التي لا تزال تتحرك عند مستويات مرتفعة، في ظاهرة تكشف عن اختلال غير معتاد في أسواق الطاقة العالمية، إذ انفصلت أسعار المنتجات المكررة عن اتجاه أسعار النفط الخام.
وبحسب تحليل نشرته وكالة "بلومبرغ"، فإن السبب لا يعود إلى ارتفاع أسعار النفط أو إلى ممارسات احتكارية من شركات الطاقة، وإنما إلى اضطرابات جيوسياسية متزامنة، يتصدرها التصعيد العسكري بين روسيا وأوكرانيا، الذي ألحق أضرارًا واسعة بقطاع التكرير الروسي، وأدى إلى تقليص الإمدادات العالمية من الوقود المكرر.
أزمة التكرير تتصدر المشهد
وعادة ما تتحرك أسعار النفط الخام والوقود المكرر في الاتجاه نفسه، إذ تمثل تكلفة الخام الجزء الأكبر من سعر البنزين والديزل، بينما تقتصر الفجوة بينهما على هوامش التكرير والتوزيع.
لكن هذا النمط التقليدي تغير خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما تعرضت عشرات المصافي الروسية لهجمات أوكرانية متكررة، ما أدى إلى تعطيل جزء كبير من الطاقة الإنتاجية الخاصة بالوقود، في وقت استمرت فيه صادرات النفط الخام بالتدفق إلى الأسواق العالمية.
وتشير تقديرات نقلتها "بلومبرغ"، إلى أن أوكرانيا استهدفت خلال الشهرين الماضيين 19 مصفاة روسية، تعرض بعضها للهجوم أكثر من مرة، فيما تبلغ الطاقة الإجمالية لهذه المصافي نحو 4.9 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب 70% من إجمالي قدرة التكرير الروسية.
كما أدت الضربات إلى خفض قدرة روسيا على إنتاج الديزل بنحو الثلث، إلى جانب انخفاض إنتاج البنزين ووقود الطائرات، وهو ما انعكس مباشرة على نقص الإمدادات العالمية من المنتجات المكررة.
ورغم انخفاض أسعار النفط الخام، بقيت أسعار الوقود مرتفعة بسبب محدودية طاقات التكرير المتاحة عالميًا، إذ إن السوق لا تعاني نقصًا في إنتاج النفط بقدر ما تواجه نقصًا في تحويله إلى منتجات قابلة للاستهلاك.
وفي الوقت نفسه، دفعت الأضرار التي لحقت بالمصافي الروسية موسكو إلى تقليص صادرات الوقود المكرر، ولا سيما الديزل، مع فرض قيود على التصدير لتلبية الطلب المحلي، بينما زادت صادرات النفط الخام التي تعذر تكريرها محليًا، ما ساهم في زيادة المعروض من الخام عالميًا وأبقى أسعاره تحت الضغط.
وتشير تقارير السوق إلى أن روسيا لجأت أيضًا إلى استيراد بعض المشتقات النفطية من الصين والهند لتغطية احتياجاتها الداخلية، الأمر الذي زاد المنافسة على الإمدادات العالمية ودعم أسعار الوقود.
أرباح قياسية للمصافي
وأدت هذه التطورات إلى ارتفاع غير مسبوق في هوامش أرباح شركات التكرير، التي تقيسها الصناعة بما يعرف باسم "هامش التكرير 3-2-1"، وهو مؤشر يعبر عن الفرق بين تكلفة شراء 3 براميل من النفط الخام وقيمة بيع برميلين من البنزين وبرميل واحد من الديزل أو المقطرات.
ووفقًا لـ"بلومبرغ"، ارتفع هذا المؤشر خلال جوان إلى نحو 60 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى يُسجل على الإطلاق.
عوامل إضافية تضغط على السوق
ولا تقتصر الضغوط على الحرب الروسية الأوكرانية، إذ أسهمت عدة عوامل أخرى في استمرار اختلال سوق الوقود.
فقد استخدمت الولايات المتحدة جزءًا من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية لزيادة المعروض من الخام والحد من ارتفاع الأسعار بعد اندلاع الحرب مع إيران، وهو ما وفر كميات إضافية من النفط الخام، دون أن يحل أزمة نقص المنتجات المكررة.
كما لا يزال نشاط التكرير في الشرق الأوسط أقل من مستوياته التي سبقت الحرب، رغم تعافي صادرات النفط الخام، في حين خفضت الصين معدلات تشغيل مصافيها وقلصت وارداتها من الخام، بالتزامن مع الحد من صادرات الوقود إلى الأسواق الخارجية.
10% خارج الخدمة
وتقدر "بلومبرغ"، أن نحو 10% من طاقات التكرير العالمية أصبحت خارج الخدمة حاليًا، أي ما يعادل نحو 8 ملايين برميل يوميًا من القدرة الإنتاجية، وهو حجم يفوق إجمالي استهلاك الوقود في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة مجتمعة.
ويرى التقرير، أن استمرار هذا الوضع يعني بقاء أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات عند مستويات مرتفعة، حتى لو استقرت أسعار النفط الخام أو واصلت التراجع، خصوصًا مع دخول موسم السفر الصيفي في نصف الكرة الشمالي، الذي يرفع الطلب العالمي على الوقود.
ويخلص تحليل "بلومبرغ" إلى أن أسواق الطاقة باتت تعكس اليوم واقعًا جديدًا، لم يعد فيه سعر النفط الخام وحده مؤشرًا كافيًا لقياس تكلفة الطاقة، بعدما أصبحت كفاءة قطاع التكرير وسلامة سلاسل الإمداد في ظل التوترات الجيوسياسية عاملين حاسمين في تحديد ما يدفعه المستهلكون عند محطات الوقود.
