2022-01-18 نشرت في

للتاريخ : المواجهة الحــاسمة 18 جـــانفي 1952

كان الخطاب الذي توجه به الزعيم الحبيب بورقيبة إلى الشعب التونسي في بنزرت 13 جانفي 1952 و الذي دعى فيه إلى الكفاح المسلح ضد المستعمر قد دفع بالأزمــة القائمة بين فــرنسا وتونـــس الى أوجها . وكــان يوم 18 جانفي المــجيد . ففي ذلك اليوم تمّ آعتقال الزعيم الحبيب بورقيبة وعدد من الوطنين، وأدرك الشّــعب التّونسي أنّــه لا مناص من الإلتجــاء الى المقاومة المسلّحة . وهكذا دخلت المعركة الوطنيّة مرحلتها الحاسمة .



للتاريخ : المواجهة الحــاسمة 18 جـــانفي 1952

لم تكــد السّاعة الواحدة من صبيحة يوم 18 جانفي 1952 تدقّ حتّـى كانت قوّات البوليس والجنـد والمصفّـحات تحـاصر الأحياء المجـاورة لحي " معقل الـزّعيم " حيث يوجــد بيت المجــاهد الأكبر . وعند السّــاعة الثّالثة كـانت قوّات البوليس تقتحم المدخــل الخارجي للبيت فتوقظ الجيران وتروّع النّساء والأطفال وتدخل البيت شاهرة أسلحتهــا فإذا بالحبيب بورقيبة يقـول : " لقـد كنت في آنتظــاركم " ثمّ يرتدي ملابسه ويغادر المنزل قائلا لعقيلته " ســوف لا يـطـول البعـاد هذه المــرّة " .

هكذا إذا انتـزع الزعيم من بيتـه صحبة السـيّد المنجي سليم الى بلدة طـبـرقة ، وفي نفس الوقت تمّ نفي جمع آخــر من الوطنيين الى أقصى الجنوب التونسي . وآستيقظ الشعب على هذا النّـبأ فعمّ الإستياء كـافة البلاد وشملتهـا الإضـرابات والإضطـرابات ، وطوّقت العاصمة بحصار شديد فآنتصبت قوّات الجيش والبوليس والجندرمة في كــافة الطّرقات وأصبحت العاصمة كميدان من ميادين الحرب والقتال ووقع اصطدام في حي باب المنارة أسفر عن عدد من الجرحى وقتيل واحد وكذلك وقعت عدّة مظاهرات قابلتها القوّات الأستعمارية بالرّصـاص فسقط تحت وابله عدد من الجرحى .

وكانت الحالة داخل البلاد لا تقلّ تعكّـرا عنها في العاصمة فأصبحت كلّ البلاد كالبركان المحتدم وأصبح الشّعب التّونسي كلّه يشكــل واجهة ضـدّ قوّات الإستعمــار انها بداية اندلاع ثورة جامحة سرعان ما انتشرت وامتدت الى جميع الجهات وشملت جميع طبقات الأمّـة فأصبحت ثورة قومية ثورة شعب كـامل بقويّه وضعيفه ، بفقيره وغنيّه بفلاّحه وتاجره بعامله وطالبه اتّحدوا كلهم وزحفوا صفّا واحدا لتكسير الأغلال وتحطيم صرح الإستعمار ، مضاهرات صاخبة عمت المدن والقرى آحتجاجا على آعتقال الزعيم بورقيبة وقادة الحزب وتبعت ذلك اضطرابات في جميع الميادين فتعطلت دواليب الإدارة وتوقّفت الحركة الإقتصادية بالبلاد الشيء الذي أضرّ بمصالح الشركات والمؤسسات الإستعمارية .

وفي الجانب الآخــر كـان الحزب الحـر الـدّستوري يعقد ســرّيا في نفس يوم 18 جانفي 1952 مِؤتمــرا فوق العادة وأصـدر لائحته التـاريخية التي ندّد فيها بشدة بالإجراءات التي آتّخذت ضدّ الحبيب بورقيبة ومدير الحزب المنجي سليم وعدد من أعضاء الحزب وتبـرّأ من مسؤولية النتائج الوخيمة التي قد تنتج عن هذه الإجـراءات، ويؤكّـد عزم الشعب التونسي على السعي بكلّ ما أوتي من قوّة لتحقيق مبادئ وأهداف ميثاق هيئة الأمم المتّحدة في ميدان الديمقراطية والحقوق الفردية والجماعية .

كما أصدر المؤتمــر جملة من المطالب يؤكّـد فيها ضرورة الغاء الحماية وتحقيق الإستقلال بإبرام معاهدة بين تونس وفرنسا على أساس المساواة . وهكذا أخذت المعركة صبغتها الحاسمة فأعلن التونسيون اصرارهم على انتزاع سيادتهم من أيدي الغاصبين وتطوّرت الأحداث وتصاعدت مع مـرّ الأيّــام رغم بطش المستعمر وقيام اليد الحمراء بالقتل والاغتيالات وتنكر فرنسا لوعودها بتواطؤ من حكومة مزالي وتشديد الخناق على الوطنيين وتنفيذ احكام الإعدام على المجاهدين ثمّ نقل المجاهد الأكبر من جزيرة جالطا الى جزيرة " قـروا " الفرنسية يوم 20 ماي 1954 وظـنّ المقيم العام " فوزار " أنّه بلغ بمعيّة محمّد صالح مزالي المـراد ، لكن بورقيبة لم ينته أمــره حيث أمـر من جزيرة الإعتقال بإرجاع " وسام الإفتخـار" الذي كان قلّده الباي إيّاه ،وذلك تشهيرا بتنازلات الباي المتكرّرة وتنديدا بتهاونه المستمر بمصلحة الشعب هذا الشعب الذي آل على نفسه التّمسّك بخيار النّـضال كخيار استراتيجي من أجل تحقيق النّصـر فكانت ارادة الشعب وعزمه اقوى من عسف الإستعمــار وكان المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة من المنافي يغذّي جذوة الكــفاح ويبعث بصوت تونس الدّاوي في قلب فرنسا وفي عواصم العالم وينطق بكلمة تونس الفاصلة تجاه أيّ محاولة تضليل تبتكرها سلط الحماية إلــى أن جــاء يوم 31 جويلية 1954 عندما تحوّل منـداس فـرانس بنفسه الى العاصمة التّونسية بعد أن تسـلّم مقاليد الحكم عن " بليفـن "على إثــر كارثة " ديان بيان " بالهند الصّينية وأعلن رسميّا أمام الباي آستقلال تونس الدّاخلي وتشكلت حكومة تفاوض شعبيّة شارك فيها الحزب لضبط أسس التعاون بين الدّولتين على قدم المساواة . فـكان النّصر المبين الذي عمل من أجلــه الحزب الحر الدستوري بقيادة المجاهد الأكــبر الحبيب بورقيبة طيلة عشرين سنة ، ثمّ جاءت نعد ذلك عودة الزّعيم من منفاه بجزيرة " قــروا " الفرنسية إلى أرض الوطــن يوم غــرّة جوان 1955 وهو ظافرا رافع الرّأس موفور الكرامة وكانت آنطلاقة الشّعب الكبرى في سبيل الحريّة والعـزّة والكـرامة والنّصر والإزدهار. هكذا بدأت ملحمــة معركة 18 جانفي 1952 الحاسمة وهكـذا انتهت بتقرير المصير والفوز بالنّصــر المبين.

منقول