2020-03-20 نشرت في

رسالة مفتوحة حول الوضع في السجون التونسية ووباء الكورونا

يُشكّلُ الوضع داخل السجون التونسية مصدرا للتخوّف الشديد من احتمال الانتشار السريع للعدوى داخلها.



رسالة مفتوحة حول الوضع في السجون التونسية ووباء الكورونا

 فالسجون التونسية البالغ عددها 28 سجنا بين سجون إيقاف وسجون تنفيذ عقوبات هي في الغالب بنايات قديمة موروثة من الفترة الاستعمارية تشكُو من تداعي بنيتها التحتية ومن تدهور شروط الرعاية والإحاطة الصحية فيها. واذ تتضارب المعلومات حول عدد المساحين فانّ الإجماع حاصل حول الارتفاع المُستمر للاكتظاظ وعلى أن العدد يتراوح بين 25000 و27000.ويتجاوز عدد المساجين طاقة استيعاب الوحدات السجنية بنسبة تبلغ أحيانا % 300 لكي يتكدّس العشرات في مساحة صغيرة في ظروف غير إنسانية.

ويعُود الاكتظاظ في جانب كبير منه إلى العدد الكبير من المساجين الموقوفين بسبب ارتكاب جُنح ، والى تواصل سجن موقوفين بعد انقضاء مدّة العقوبة .أمّا السبب الأهم فيعُودُ إلى طول آجال المحاكمات والى الإيقاف التحفظي الذي قد يمتدُّ لأشهر وحتى لسنوات لتبلغ نسبة الموقوفين على ذمّة القضاء دون صدور حكم في شأنهم من المجموع الكُلّي من المساجين نسبة %45 . كما تجدر الإشارة إلى أنّ الشريحة الشبابية تُشكّلُ نسبة هامة من المساجين إذ أنّ نسبة 55% منهم تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة، وهُمْ في الغالب مُبتدئين ويكفي مرورهم ولو مرّة واحدة بتجربة السجن وعدم فصلهم عن المجرمين الخطيرين كي تنقلب حياتهم رأسا على عقب.


يُساهمُ الاكتظاظ وعدم الفصل بين أصناف المساجين في الاستقطاب للإجرام الجنائي والتكفيري والى تفريخهما. كما يُؤدّي الاكتظاظ وظروف السجن في الأوضاع العادية إلى انتشار عدد كبير من الإمراض المعدية التنفّسية كالسلّ والجلدية كالجرب وأمراض العيون كالرمد، وذلك إضافة لأمراض مزمنة مثل ضغط الدم والسكّري والأعصاب. وتتفاقم المخاطر دون شكّ في مثل الظروف الاستثنائية التي نشهدها حاليا والتي يمكن أن تُحوّل السجون إلى بُؤر عملاقة لانتشار فيروس الكورونا إذا ما بلغتها العدوى وسيمسُّ ذلك آلاف المساجين إلى جانب أعوان الوحدات السجنية دون إمكان السيطرة على الوباء.

إنّ الدولة مسؤولة في كل الأحوال على حياة كل التونسيين ولا يُستثنى من ذلك من سُلبتْ حريته وأيّا كانت نوعية ودرجة العقوبة المُسلّطة عليه. لذا:

فعلى المستوى الآني ، فانّ الحفاظ على حياة المساجين وعلى حياة أعوان الوحدات السجنية، والحيلولة دون انتشار الوباء داخل السجون بتطهيرها وعزل الحالات المُشتبه فيها، سيكُون نجاحه مشروطا باتخاذ إجراءات عاجلة تحدّ من الاكتظاظ داخلها ، من أهمّها :

- إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من الموقوفين تحفّظيا دون محاكمة في قضايا غير خطيرة، مع بقاءهم على ذمّة القضاء،

- العفو على المساجين المبتدئين المحكومين بمدّة عقوبة قصيرة والمساجين من التلاميذ والطلبة والنساء وذوي الاحتياجات الخصوصية والمرضى وكبار السنّ الذين قضّوا عقوبة تفوق العشرين سنة ، مع استثناء مرتكبي الجرائم الخطيرة كالإرهاب وإدخال الأسلحة والجرائم الجنسية.
أما على المستوى المتوسط، فعلى السلطات التنفيذية والتشريعية الإسراع بمراجعة تامة للمنظومة القانونية والقضائية. فإصلاح القانون الجزائي أصبح أمرا لا يقبل التأخير لكي لا يُحرم الآلاف من الحرية بسبب جنح بسيطة ، ولكي لا تتحوّل السجون إلى محتشدات وفضاءات عقاب وإذلال وانتهاك مطلق لكرامة الإنسان ، عوض السعي إلى إعادة التأهيل والإدماج. كما أن معالجة ظاهرة الاكتظاظ ممكنة من خلال تفعيل العقوبات البديلة المنصوص عليها في القانون التونسي مثل العمل للمصلحة العامة واستعمال السوار الالكتروني.

المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب